لم يبق أمام انعقاد مؤتمر المعارضة الإرترية سوى أيام قلائل. وأنظار الجماهير الإرترية وأصدقاء شعبنا، على قلتهم، متجهة صوب أديس أبابا، حيث سيعقد المؤتمر، وهي متوجسة خيفة حتى لا تتكرر إخفاقات هذه القيادات الماضية، والتي أضاعت على شعبنا فرصًا ثمينة في صراعاتها العقيمة على السلطة الزائفة. سيشكل المؤتمر القادم، لو قيض له النجاح، خطوة هامة في الاتجاه الصحيح. لذا ينبغي أن تدرك قياداتنا بأن تحديها لنفسها وتجاوز كل العراقيل من أجل إنجاحه، يعتبر عملاً وطنيًّا، وخاصة أن معاناة شعبنا، في الداخل وفي مناطق اللجوء والشتات، بلغت درجة لا يمكن تحملها، وأن النظام الديكتاتوري القائم مازال مستمرًّا في نهجه المدمر وممارساته اللاإنسانية بحق شعبنا، وفضلاً عن ذلك فإن الجو الإقليمي والدولي أصبح إلى حدٍّ كبير مواتيًا لإسماع صوت شعبنا المقهور إلى الرأي العام العالمي فيما إذا بذلنا جهدًا حقيقيًّا لنقل ما يقاسيه هذا الشعب جراء سياسات نظام إسياس والذي اكتسب عداء كثير من الدوائر الإقليمية والدولية وأصبح يعتبر عنصر عدم استقرار في منطقة القرن الإفريقي وشمال شرق إفريقيا. لتسمح لي القيادات ان اهمس في أذنيها قائلا بأن ليس ثمة وقت تضيعه في المماطلة وفي صياغة حجج واهية في محاولة لتبرير إخفاقاتها. فالجماهير لم تعد تنطلي عليها تلك التبريرات، وأعتقد أنها لن تقبل بعد اليوم إلا أحد هذين الخيارين: 1- إما أن تنجح تنظيماتنا وقياداتها في المؤتمر القادم وتسعى بكل قوة من أجل حشد طاقاتنا الوطنية في إطار المظلة الوطنية الجامعة لننطلق معًا في المسيرة النضالية ضد نظام الطاغية إسياس بوتيرة أسرع وأنجع. 2- أو أن تعلن على الملأ فشلها وتترك المجال للجماهير أن تحدد بنفسها خيارها النضالي. عندما تأسس تجمع القوى الوطنية الإرترية قبل أكثر من سبعة أعوام، والذي يعتبر التحالف الديمقراطي الإرتري الحالي امتداد له، (على الأقل حسب قناعتي وقناعة عدد كبير من جماهير المعارضة) اسبشرت جماهيرنا الإرترية خيرًا وظنت أن فجرًا جديدًا في العمل الوطني الإرتري قد بزغ، وأن قيادات المعارضة الإرترية قد بدأت تستوعب دروس وتجارب الماضي المريرة وأدركت ألاّ مكان في العمل الوطني لعقلية الانفراد والإقصاء والتهميش التي طبعت مسيرتنا النضالية إبان مرحلة الكفاح المسلح وبعد تحرير إرتريا في عام 1991، كما بدى بأنها استوعبت أن ليس هناك خيار آخر سوى العمل في إطار تحالف جبهوي يضم كل الطيف السياسي والتنظيمي الإرتري المعارض، تحشد فيه طاقاتها المبعثرة وجهودها المهدرة في إطار واحد في النضال الجاري ضد الديكتاتورية التي تعيث في إرتريا قتلاً وفساداً وتدميرًا. ولم تقف الجماهير موقف المتفرج من التطورات الإيجابية التي شهدها معسكر المعارضة، بل عبرت، بمختلف الوسائل، عن دعمها ومساندتها لتلك التطورات وشكلت لجان مناصرة للتجمع تعمل جنبًا إلى جنب مع قواعد التنظيمات السياسية التي بُعث فيها روح نضالي جديد. كما تفاعل عدد كبير من المثقفين والكتاب والمراكز الإعلامية ومواقع الإنترنت اجابيا مع ميلاد التحالف بل شبّه بعضهم قيام التحالف بقيام الكتلة الاستقلالية في مرحلة تقرير المصير. إلا أن " حليمة عادت إلى عادتها القديمة" فالقيادات اعتقدت أن التفاف الجماهير بالتجمع التفاف ومبايعة لها، وأنها أصبحت قاب قوسين أو أدنى من استلام السلطة من إسياس، وخاصة عندما بدأت تلوح في الأفق انقسامات في النسق الأعلى لقيادة حزب هقدف. لاشك أن من حق أي إرتري، بما فيهم قيادات المعارضة الحالية، أن يطمح لتسلم السلطة في إرتريا، إلا أننا يجب أن ندرك بأن الشعب هو صاحب السيادة وهو الذي من حقه أن يمنح السلطة لمن يشاء ويحجبها ممن يشاء، وذلك من خلال المؤسسات الديمقراطية التي ستقام على أنقاض النظام الديكتاتوري القائم، والتي مازال الوصول إليها يحتاج إلى مزيد من النضال والتضحيات. كان حريٌّ بقياداتنا أن تستثمر هذا الزخم الجماهيري في تصعيد النضال ضد إسياس، بدلاً من تكرار أسلوبها القديم في المكايدات السياسية وإطلاق الاتهامات ضد بعضها البعض وإثارة قضايا متخلفة لجعل البعض يسير وراء توجهاتها، فبدأنا نرى وراء كل اجتماع أو مؤتمر لهذه التنظيمات انقسام يعقبه تبادل للاتهامات والتخوين، حتى أصبح جزء من الجماهير يبتعد رويدًا رويدًا عن تنظيمات المعارضة، كما بدأ البعض ينشأ جمعيات ومنظمات مدنية متذرعًا بفشل التنظيمات السياسية في التعبير عن نبض الجماهير وتلبية مطالبه. وهكذا شهدنا خلال السنوات الخمس الماضية تراجعاً ليس فقط في الأداء السياسي لمعسكر المعارضة، بل أن العلاقات بين مختلف مكونات شعبنا الاجتماعية والثقافية أصبحت عرضة للشكوك والريبة وبات يتهددها مخاطرجمة بعد أن كانت قد صمدت أمام محاولات التفتيت التي ظل يقوم بها نظام إسياس منذ عهد " سلفي ناظنت" وحتى يومنا هذا. ويعد هذا الأمر أخطر ما يمكن أن يواجه مجتمعًا متعدد الانتماء والتكوين كالمجتمع الإرتري. إذاً فالمسؤولية الملقاة على عاتق تنظيماتنا السياسية أكبر من أي وقت مضى.. وإننا ننتظر من قياداتنا أن ترتقي إلى مستوى التحديات الماثلة أمام شعبنا، فإرتريا اليوم تمر بمنعطف خطير. ولا أبالغ إذا قلت بأن الوطن يعيش خيار " يكون أو لا يكون". وبعيدًا عن العموميات أود أن أسهم برأيٍ متواضع لإيجاد مخرج من الأزمة المزمنة التي تعيشها قوانا السياسية، آملاً أن تنزل قياداتنا من على برجها العاجي وتستأنس بهذا الرأي وغيره من الآراء والنداءات التي بادر كثيرون غيري في إطلاقها من خلال المواقع الإلكترونية الإرترية المختلفة. والرأي الذي أطرحه هو عبارة عن خلاصة توصلت إليها من مناقشاتي مع عدد غير قليل من الناشطين في التنظيمات السياسية ومنظمات المجتمع المدني. هذه المناقشات أظهرت لي بجلاء حرص جُلَّ من ناقشت معهم على نجاح مؤتمر المعارضة القادم. وملخص ما أود تناوله في هذا المقال يتعلق بحل معضلة القيادة التي ظللنا نعاني منها لفترة طويلة، وللمجتهد أجران إذا أصاب وأجر إذا أخطأ: - انطلاقًا من متابعتنا لاجتماعات ومؤتمرات المعارضة فإن الخلافات دائمًا ما تتركز في من يتولى رئاسة التحالف. وهذا الأمر ليس جديدًا في تجربتنا السياسية، فساحة العمل الوطني مرت بتجارب مماثلة دفع شعبنا بسببها أثمانًا باهظة. وما حدث في المؤتمر الأخير للتحالف يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك بأننا لا نزال نفتقر إلى فهم واضح لمسألة السلطة السياسية وكيفية حلها. فالمؤتمر المذكور، وبعد أن أجاز كل وثائقه، انهار عندما وصل إلى مرحلة اختيار رئيس للتحالف. وليت الأمر توقف عند ذلك، بل حاول كل طرف دمغ الطرف المخالف له بكل النعوت والأوصاف التي لا تليق بمن يزعم أنه يعمل في معسكر واحد من إجل إنقاذ الشعب والوطن من براثن الديكتاتورية. وباعتبار أن هذا الأمر أصبح خلفنا لا أود أن استرسل فيه ، واكتفي بتوجيه الدعوة للجميع لاستخلاص الدروس والعبر لنتجنب تكراره في المؤتمر القادم. وجدير بالإشارة أن التجمع، عند تأسيسه، إدراكًا منه بأن الصراع على السلطة ظل يمثل عقبة كأداء أمام فصائلنا المختلفة تبنى فكرة المداورة أو التناوب في تسلم رئاسة التجمع. وعلى الرغم من أن المنطق يقول بأن يتولى شخص مؤهل ويتمتع بميزات تجمع ولا تفرق ولدية قبول من جميع الأطراف قيادة التحالف، إلا أن واقع الحال الذي تمر بها تنظيماتنا السياسية وسيادة الشكوك وانعدام الثقة بينها يجعلني أميل إلى العودة إلى الصيغة القديمة، أي إلى جعل رئاسة التحالف تناوبية. وهناك من يقترح تشكيل مجلس رئاسي يمركز عمل التحالف على أن يتم فيه أيضا التناوب في رئاسة المجلس نفسه. وهذا الموضوع أيضًا جدير بالدراسة. والأهم من كل ذلك هو إقامة مؤسسات تناط إليها مهمة قيادة العمل الجبهوي للتحالف. ففي هذه الحالة قد يزهد البعض من القيادات عن تبوأ كرسي الرئاسة باعتبار المنصب سيكون شكليًّا وبروتوكوليًّا. والموضوع الآخر الذي ينبغي إيلاؤه الأهمية الذي يستحقها متعلق بالميثاق والنظام الأساسي. فبالنسبة للميثاق أعتقد أن المؤتمر لديه فرصة ثمينة يجب استثمارها، وهي أن المؤتمر السابق للتحالف كان قد أقر الميثاق، ولم نسمع حتى الآن تصريحًا علنيًّا من أي طرف من الأطراف التي وقعت على الميثاق تنصلها مما وقع عليه. أما بالنسبة للتنظيمين اللذين سيشاركان في المؤتمر القادم فأعتقد أنهما لن يصبحا عقبة أمام إقرار الميثاق نفسه. أما بصدد النظام الأساسي والذي حدث لغط كثير في تفسير فقرة من فقراته، أتمنى أن يتم الاتفاق حوله بعد تنقيحه وجعل فقراته وبنوده واضحة لا تخضع لعدة تأويلات. كنت أود أيضًا أن أثير مسألة توحيد الأجنحة المسلحة لتنظيماتنا، لما لذلك من أهمية في نضالنا، إلا أنني رأيت أن الوقت غير مناسب حاليًا لإثارة مثل هذا الموضوع في الجو السياسي الذي تعيشه التنظيمات في الوقت الراهن. فالأهم أن يتم التركيز حاليًا على إعادة اللحمة إلى التحالف ثم الانتقال بعد ذلك إلى ترتيب أولويات العمل الوطني على كافة الأصعدة. أخيرًا أدعو قياداتنا للعمل بكل جهد ونكران للذات من أجل استعادة ثقة شعبنا والحادبين على مصلحته في معسكر المعارضة، لنتفرغ، من ثم، جميعًا للانخراط في عمل نضالي دؤوب ضد العدو الرئيسي لشعبنا ووطننا في هذه المرحلة والممثل في الطغمة الحاكمة لنظام إسياس الديكتاتوري وصولاً إلى تحقيق أهداف شعبنا في التحرر والانعتاق وإقامة نظام العدل والديمقراطية والمساواة في ربوع الوطن الحبيب. إني بلغت اللهم فأشهد ! |