الفضائية الارترية ... خدمة للحقيقة أم تزييف للوعي؟ Print E-mail
By محمد إدريس عبد الله - دمشق - Mar 17, 2008   

في هذا القرن ، نحن في زمن سطوة علم الاتصالات ، فلم يعد العالم شاسعاً متباعداً ، بل أصبح قرية صغيرة بفضل التكنولوجيا ، لا يمكن إخفاء ما يحدث فيها بحجج واهية لا تصمد أمام التطور وأصبحت حرب الصورة والكلمة أمضى من المدافع والبنادق ، والدليل على ذلك حرب احتلال العراق إذ لم يعد الإعلام أحد ركائز العمل السياسي بل عامل حسم في صراع الشعوب والثقافات والأفكار ولا يقتصر على الدور الترفيهي المسلي ، إنه أداة قاتلة إذا أحسن استخدامه .

الإعلام الأرتري ، حديث النشأة كحداثة دولته ، وهو حالة متطورة للإعلام مرحلة الكفاح المسلح وخاصة إعلام الجبهة الشعبية الذي كان يركز على المسموع والمطبوع وبعض الصورة عبر الفيديو والشاشة المتحركة والمسرح لذا فإن خبرة الماضي فكراً وتجربة تسيطر على الإعلام . وهنا سأركز على المرئي ودوره في التأثير على الرأي العام الأرتري في عالم متغير ، ولا يمكن الحديث عن الإعلام بمعزل عن الحرية وقانون الصحافة والمرئيات الذي يحلم به الأرتريون كحلمهم بالتعددية السياسية والديمقراطية والحريات العامة في وطن يرزخ تحت الاستبداد .

صناعة الرأي العام وتشكيله تحتاج إلى رؤية وشفافية وقدرات علمية وفنية وإدارية تحترم الحريات كحرية الصحافة والتعبير أما صناعة الكراهية والعنف فلا يمكن أن تنتج إعلام ملتزم بمشاكل الناس وتغيير  رأيهم بشكل يحفظ توازن نفسي وأخلاقي ووطني عندهم بل أنه غثاء يدغدغ الغرائز السالبة التي تؤدي إلى حالة إنغلاق وعصبية ورياء يكرس الجهل ، كما هو حال شاشة التلفزيون الأرتري        (ERi . TV) . الأرتريون رغم اختلافهم وتبايناتهم فإنهم يشاهدون الشاشة الصغيرة التي تبث من العاصمة الأرترية أسمرا ، قليل منهم يقاطعها لأكثر من سبب وهم أحرار في ذلك . كغيري من أبناء وطني أحن إلى ما هو ذو صلة بالوطن ويشدني ما هو أصيل ووترائي ومبدع , حتى لو لم أكن أجيد لغة التواصل مع المادة المنقولة، قد نكون كأرتريين متطرفون نوعاً ما في حبنا للوطن ولهذا التطرف سبب , هو حرماننا لعقود طويلة من أن نكون مواطنين لهم وطن أو لأننا مجتمع في طور التكون ، والبدايات دائماً مرتبكة وحادة ومضطربة وانفعالية ، أو لأن الشحن الوطني في فترة الكفاح المسلح ومرارات المعركة دور في ذلك أيضاً ... المهم أنني أتابع التلفزيون الأرتري بحثاً عن صلة تربطني بالوطن في هذه الغربة الكريهة رغم اختلافي مع السياسة العامة لوزارة الإعلام الأرترية، قد يعتبر البعض بأن ما نشاهده شاشة صغيرة لسيت تلفزيوناً أرترياً ولهم في ذلك بعض الحق لأننا نبحث عن الأفضل . ولأن هذه الشاشة ليس لها هوية أو رسالة سامية، فنحن الأرتريون نبحث عن هويتنا وسط جعجعة التعبئة والهراء الكلامي الرباب (الواطة ) الذي يصم الآذان .. إلا من بعض اللمحات عن برنامج الخدمات والدراما المبتدئة .

الإعلام ولغته :

سألني زائري السوري عن ماهية هذه القناة الفضائية ... هل هي روتانا أفريقية أم قناة لإثارة النزاعات ؟  ألا تعرفون غير الحرب مهنة ؟ لماذا لا تتحدث اللغة العربية ؟ ولماذا لا يبرك جملكم هذا حتى حيواناتكم مستنفرة . قلت له : أيضاً القائمين عليها يسألون لماذا لا يتحدث العالم لغة التجريتية ؟ أنا مثلك لا يصلني مما تتفوه به هذه الفضائية إلا لماماً لإشكالية اللغة بالرغم من أنها باسم وطني فاللغة ليست أداة تواصل فحسب بل أداة للحكم والأمر أما استنفار حيواناتنا ناتج عن تضامنها مع شعبها بعد أن ولى حكامنا ظهرهم لشعبهم فهذا الجمل منذ ثمانية عشر سنة لم يعرف أن برك فهو شهيد منسي وحارس لهذه الفضائية من تسلل الرأي الآخر إليها بأمر الحاكم لا يرغيه عن هذا الجمل المناضل ( جعاي ) . إن ما يدعى بالتلفزيون الأرتري لم يعد أرترياّ ، لأنه نادراً ما تجد فيه مادة جادة تعالج الشأن الأرتري ، ما عدا إيقاعات الأغاني والرقص الإيمائي الذي تعتبر مادة رئيسة ن وتحولت هذه الشاشة وسيلة تعبوية تمجد الدكتاتور وتضلل الرأي العام بأن أرتريا دولة عظمى في القرن الإفريقي ،وهي دولة أممية تهتم بشؤون القوميات المضطهدة من الأورومو والسيدامو والأوغادين والصوماليين ، وتزرع ثقافة الكراهية بين شعوب القرن الأفريقي بيد أن كل الحقوق التي تطالب بها باسم تلك القومية تحرم منها مكونات الشعب الأرتري ، وهو الأمر نفسه الذي كان يقوم به هذا التلفزيون في تغذية النعرات بين الشعب السوداني بدعمها قبائل البحة بقيادات شخصيات كانت في الماضي أعضاء في الجبهة الشعبية فترة الكفاح المسلح وقبائل غرب السودان الذين لم تهدأ صراعاتهم منذ تاريخ طويل ، بحجة أن الشماليين السودانيين يمارسون الاستعلاء الثقافي والسياسي وهو شأن سوداني ربما للبعض من السودانيين الحق في القول به ، ولزعزعة أمن النظام السوداني وإثبات صحة موقفه دأب افورقي يشن هجمات عسكرية على المناطق الحدودية الشرقية وكان ضحاياها الكثير من الأرتريين وقدم دعماً إعلامياً ولوجستياً وسياسياً لحركات التمرد في دارفور , ولكن لمجرد أن مزاج الدكتاتور مل هذه اللعبة أي زرع الفرقة وثقافة الكراهية بين الأخوة السودانيين ، حلت مشكلة الشرق في برهة وجارى السودانيين نزوة الدكتاتور ولكنهم بلعوا الطعم فإن أفورقي وأدواته الإعلامية لم يقوموا بذلك إلا للتضييق على المعارضين الأرتريين، حيث أصبح نظام الخرطوم طرفاً في جريمة إذلال الأرتريين عبر (الكشات ) والتوقيفات غير المبررة بل الأدهى من ذلك تم تسليم بعض الهاربين من جحيم أفورقي إلى جلادهم وهذا لا يحفظ للجيرة والمحبة بين الشعبين شيء , ألا يكفيهم ما تقوم به سفارة النظام في الخرطوم من إرهاب الأرتريين وابتزازهم واختطافهم ليذوبو في كهوف الدكتاتور وسجونه في كل من الساحل الشمالي ونخرة في جزيرة دهلك . القائمون على التلفزيون الأرتري لا يتعرفون على المواطنين الأرتريين في معسكرات اللاجئين وأطراف المدن السودانية في بيوت الصفيح ولا على معاناتهم الدائمة فيكتفى الآن بأغنية سودانية بعد أن كان لسان حاله يقول بالتطهير العرقي في السودان وإسقاط نظام البشير كأن اللاجئ الأرتري ينقصه أغنية هابطة ... ، إنها مصالح الطغاة وتبادل مصالحهم الرخيصة .

لغة الأم وأم اللغات :

لغة التواصل بين المشاهدين والفضائية الأرترية أمر مهم جداً ، والمقصود ليس أسلوب الخطاب وإلقاء وإعداد المادة فحسب بل أي لغة من تلك اللغات التي تتحدث بها المجموعات اللغوية الأرترية في مجتمع متعدد اللغات والثقافات ، هي لسان الفضائية؟ هذه السلطة التي تجبرنا على التعصب والتعلم بلغة أمنا وفضائيتها ترضعنا لغة أم الدكتاتور مع حرمان لغات أمهات الآخرين من فضائيات مماثلة وإن كان ذلك بجدي  لماذا لا يكون البث بالتجرينية والعربية مع قناة إنكليزية كيف نفسر اختزال الإعلام الأرتري في فضائية وصحيفة وحيدة تترجم إلى أكثر من لغة في حين أن هذا الفصيل في زمن الثورة كان يملأ الفضاءات المسموعة والمقروءة والمرئية ( فيديو ومسرح ) بكثير من النشرات والإذاعات ؟ إنها رغبة الدكتاتور والملاحظ أن المكلف علي عبده يريد أن تنطق شاشتنا الصغيرة بلغة أمه وتمجد أبيه والمقصود أبيه بالتربية والتأثر وليس بالتعصب ، فإن هذا الشاب الغر ما زال في فترة المراهقة السياسية فهو يتماهى حتى مع السلوك الشخصي مع الدكتاتور أفورقي بالملبس والمشرب لدرجة أن البعض يلتبس عليهم الشخصان في كثير من الأحيان .

هذا المسخ في الولاء هو الذي جعل من جولبز أرتريا اللسان الآخر للطاغية أفورقي وخلق هو الآخر أي علي عبده محمية أمنية في الوزارة فتجد كثير من الصحفيين والفنيين والمحرريين يقبعون في السجون ويكفي شهادة المنظمات الدولية ومنها صحفيون بلا حدود . حيث تعتبر أرتريا من أسوأ الدول التي تحجر حرية الصحفيين ونذكر منهم الصحفي يوسف محمد علي – صالح الجزائري – وداويت – جمع كميل – محمد عبد الحليم وآخرين .

يصل من المادة عبر هذه الشاشة إلى المواطنين الأرتريين متعددي اللغات إلا الشيء اليسير فهي تخاطب شريحة معينة باللغة التغرينية مرتبطة بالنظام ولا نجد التنوع إلا عندما تكون هناك معركة مع العدو كأن المكونات الأخرى لا يحتاج إليها إلا كوقود للمعركة فلا يظهر هذا التنوع في الحياة العامة السياسية ولا في المواقع الإدارية والحكم .

صراع الضرتين .... وتوحد الضرتين :

يصعب على المشاهد في كثير من الحالات التمييز بين التلفزيون الأرتري والتلفزيون الأثيوبي لأن الشاشتين تتوحدان في المادة المبثوثة كالمواد التي يعتمد المحررون نشرها في كلا الشاشتين كبرنامج باللغة الإنكليزية ( من رويترز ) سوبر استار ( الهواة من المغنين والراقصين) ( شنغروا ) والأفلام الأجنبية بل كثير من المواد التي تنشر باسم المعارضين لكل من النظامين وبالمقارنة بين الشاشتين نجد أن الشاشة الأرترية تستخدم لغة التحريض والكراهية والشوفينية فلا يمكن أن تسمع غير ثلاث كلمات إذا واظبت في مشاهدة الفضائية الأرترية وهي ( وياني – أمريكا – الصومال ) وكلها مصحوبة بالشتم والقدح أما التلفزيون الأثيوبي يستخدم لغة إظهار التنوع الأئيوبي القومي والثقافي بين الشعوب الأثيوبية رغم طغيان الأمهرية حيث تجد القوميات الأساسية ساعات بث متلفزة والتركيز على الطبيعة الخلابة في التنوع البيئي والثقافي ولا تحس بأن هناك صراع مع أريتريا إلا عندما يحين ساعة البث بالتغرينية التغراوية. قد يكون للأخوة الأئيوبيون رأي في فضائيتهم لأنهم أدرى بمشاكل بلدهم ولكن نحن هنا فقط لتوضيح التماهي بين الشاشتين عن حالة الصراع بين النظامين. إن اللغة الأساسية للفضائية الأرترية هي لغة التغرينية رغم جعجعة أنصار النظام بوجود قوميات تسع  ولكونها تفرض بأمر السلطة وليس عبر التطور الطبيعي للثقافة فأنها تثير حساسيات ثقافية ولغوية داخل المجتمع الأرتري وتخنقات سياسية اجتماعية على المدى البعيد مما يهدد الوطن وكينيا مثال حاضر لدينا أما اللغات الأخرى فتدخل في الجانب الفلكلوري السمج . فاللغة العربية لغة قومية ( الرشايدة ) حسب توصيف أفورقي فإن النشرة البتراء والمسلسلات المدبلجة من أميركا اللاتينية أو الأغنيات الهابطة التي تقدمها مذيعة تتحدث كالببغاء لا يسمعها العاقلون تتخلل لماماً برامج التحريض والتعبئة وتمجيد القائد فلم يعد التلفزيون الأرتري وسيلة إعلامية علمية اجتماعية ثقافية ترفيهية بل فيديو تعبوي يمجد الطاغية ويبث خلال سبع ساعات رؤيا أحادية بلغةأحادية لا يفهمها نصف سكان الوطن وعندما يكون هناك لقاء مع الناطق الأوحد باسم الشان الأرتري العام ( أفورقي ) فإن الفضائية الأرترية تتحول إلى ( ألبوم ) لشخص الدكتاتور عندها تبث أقواله بعدة لغات حتى لغات قوميات الجوار كي لا تسقط فكرة من هراءات الطاغية وتحول مدلولات الأغنيات التي تمجد بطولات المقاتلين الأرتريين وخاصة إن كانت بصيغة المفرد لتمجيد أفورقي .

خدمة للحقيقة Serving the Truth :

تشرف وزارة الإعلام على التلفزيون الوحيد الحكومي وجريدة أرتريا الحديثة التي تترجم صفحاتها الأربعة إلى العربية والتجرينية ولا يوجد في ارترية صحافة حرة وتلفزيونات خاصة ولا قانون صحافة وذلك لفقدان هذا الوطن للدستور أن أفورقي يدير البلد حسب التقاليد التي كان يقود بها تنظيمه في الميدان ...

خدمة الحقيقة منوطة بالأنبياء والقديسين والغيورية عليها وهي مهمة صعبة ونسبية فكيف تكون وسيلة إعلامية يمتلكها طاغية أن تكون خادمة للحقيقة ؟ بالضرورة هي حقيقة ان الاستبداد حقيقي في هذا الوطن المجروح لدرجة أن الدكتاتور يعلى من نفسه خادماً للحقيقة وهي توضح طبيعة الحالة التي يتعاطى بها بعض مجاذيب أفورقي فيحملون كل الفساد العاملين معه وينزهونه لدرجة تحويله إلى قديس أو نبي يخدم الحقيقة وأن أحد المهووسين طلب إليه الهدايا بالإسلام ولا أعلم أن تلفزيوناً ادعى النبوة أو التقديس فثلما فعلت شاشتنا الصغيرة من فحوى عبارة خدمة للحقيقة نعلم أن ما يقول بها لآخرون لا يمت للحقيقة بصلة وهو الأمر نفسه في امتلاك المعرفة والحقيقة والسلطة والثروة وإنه تزييف للحقيقة بلا موارية .

This email address is being protected from spam bots, you need Javascript enabled to view it

 
< Prev   Next >

Contribute 

Donate through Mail


Copyright 2000-2006 Awate.com. All rights reserved. This material may not be published, broadcast, rewritten or redistributed without written consent from the Webmaster@awate.com.