|
فارقنا في الثالث عشر من شهرإبريل الماضي فارس من فرسان الحرّيه والتحرر وآية من آيات الثوره الإريتريه ونسمة من ريحها العطره. رحل عنا ذلك الطيف الذي عاش شهيداً يمشي بيننا وهو لا يثيرالعجب بذلك في أنفسنا التي أصابها الملل والفتور فانحدرت واستُدرجت لمهاوي التجاهل والتهاون بالنفس والذات. رحل عناّ الأخ عبدالله ناصر المناضل الصادق الصدِّيق.....وحقا...ً صِديق كلِّ الإريتريين. كثر هم أولئك الإريتريين اللذين عرفوا وخبروا عبدالله فأحبوه ولكن كثر أيضا ً هم أولئك الذين سيسألون ويتساءلون...ومن يكون عبدالله هذا؟ لهؤلاء أقول....مهلاً.. سأروي لكم هنا ما تيسر من قصة ذلك الشهيد الإنسان ، وإن كان ذلك من العسر بمكان، فمن يتصدر لسرد حياة الشهيد إنما يتصدى لاستحالة فصل في تاريخ إريتريا الحديث، وكله في الحقيقه تاريخ حديث، جاد الزمان في فترة من فتراته على أمتنا بأن جمع عدداً وافراً من الأفذاذ والعباقره على صعيد واحد هوصعيد ترقية الأمه وإحيائها. صحيح أنه كان هناك أبطال وسياسيون ماهرون في فترة سبقت هذه الفترة المرصوده فلقد كان هناك عبدالقادر كبيري وكان هناك إبراهيم سلطان وغيرهم. غير أن الفتره التي أعقبت فترة ظهور أولئك الرجال العظام كانت أكثر عطاءاً من سابقتها وأعظمها شأناً فلقد كانت هذه هي عقد الستينيات من القرن العشرين.
فصل هذه الترجمه عن سيرة حياة الثوره الإريتريه الكبري و تعبيرها المعجز : جبهة التحرير الإريتريه.
فهل ِلهاوٍ ككاتب هذه السطور أن يتصدي لمثل هذه المهمه الشاقه؟....مهمة تقصي وتأريخ حياة ثورة عظيمة كالثورة الإريتريه حتي ولو كان ذلك عن طريق رواية حياة أحد فلذات كبدها؟...... لا ، فهذا والله عمل أهل الخبرة والمؤرخين من أصحاب القلم، ولن يلام الكاتب إذن إن آثرالسلامه والتزم خطوط الإستضعاف تلك وأخذ بطريق المريدين في إشاعة الذكرى الصادقه العطره لأستاذهم الحكيم.
سوف آخذ من هنا إذن وأقول من وحي الذاكره الحره شيئا من تلك السيرة الإريتريه العطره دون الإلتزام بمناهج المؤرخين أو طرائقهم فأقول:
في هذه الحقبه العجيبه تفشت السياسه والتفكير في المصير السياسي لإريتريا بين أبناء العامه من الطلاب والعمال في أسمرا وغيرها من المدن الإريتريه. وكان العامل الأساسي في هذا جنود بواسل وأبطال حقيقيون أشعلوا الثوره في عقول ذوويهم وأصابوا بقبس من نورهم نفراً من الناس فجعلوا المدن والنجوع مداهم وهدفهم في الوصول. كانت هذه الفتره هي تلك التي ظهر فيها الشهيد حامد إدريس عواتي ذلك البطل المغموط حقه في زمن الصبيان الامين وعبدالله جابروسيدهم القابع في قصر سابقه الطاغيه الآخر. وكانت هذه أيضا هي الفتره التي كان فيها أبطال مثل ياسين عقدّا ومحمد برهان حسن وآدم ملكين تطاردهم إثيوبيا وهي وإن أسفت علي إفلاتهم من قبضتها فإنه فاتها أن تأسف أضعافا مضاعفه علي ما تركته هذه العصبه من فكر معدٍ خلفها أدّي إلي إنتاج المزيد والمزيد من صور الفارين. وكانت هذه الفتره هي تلك التي بزغ فيها نجم ذلك الثائر المعلم الشهيد عثمان صالح سبي الذي جمع المجد من أطرافه فقلم المؤرخ الأديب في يد وبندقية الثوره في الأخرى فكان بذلك ضريباً لذلك القديس"جيفارا" شيخ ثوار القرن العشرين ، أو كأنه عاش قولة " حمزه إبن عبدالمطلب" :
فتعرّفوني، إنني أنا ذاكم شاكٍ سلاحي في الحوادث، معلّم
كانت حقبة الستينيات إذن حقبة خصبة في نتاجها ليس في مجال صناعة الرجال والأفكار فحسب بل وحتى في تنظيم وترتيب إسهامات و أثار أولئك الرجال و تلك الأفكار. أولم تكن "حركة تحرير إريتريا" هي ذلك الإرهاص المؤكد والقابله التي استقبلت للدنيا ذلك المولود "جبهة التحريرالإريتريه" حتى وإن بدا الأمر خلاف ذلك أحياناً؟ أولم تكن تلك الحركه تنويرية بكل ما تعنيه هذه الكلمه من معنى؟ ثم ألم تكن الحركة رافداً أمدت جبهة التحرير الإريتريه بالكوادر المثقفه التي أثًًْْرت التجربه الثوريه الإريتريه ودفعت بها إلى الأمام دفعاً؟
ليس بالمنصف هو كذلك من يزعم إن ذلك الإنجاز الوحيد لشعبنا في نصف قرن كامل من النضال – (الأستقلال)- إنما تم بفضل هذه أو تلك من الجماعات، فأسباب المقاومه لم تنقطع حتي مع تقلبات المغتصب، وما اللحظه إلا تراكم اللحظات التي سبقتها ، و من يزعم خلاف ذلك إنما هو كمن يقول أن التاريخ إن هو إلا قفزات وبين كل قفزة و قفزه فجوة لا يمكن تجاوزها.
وإذا ذُكر نضال الشعب الإريتري وتاريخه المجيد فإن المنصف سيجد فيه صفحة ناصعة سُطر فيها ذلك الدور الفريد لطلبة إريتريا في القاهره وربما كان هذا الكاتب غير مغالٍ إذا زعم أن تلك الفئه من الإريتريين قد ضمنت لنفسها مكان الرياده في التاريخين النضالي والثقافي الإريتريين ، فلقد كان الطلبه الإريتريين في القاهره أول من أنشأ إتحاداً طلابياً لم يسبقهم في ذلك تجمع إريتري آخر في أي مكان في العالم شرقاً أوغرباً وحتى في إريتريا ذاتها، وكان ذلك منذ أربعينيات القرن العشرين. ولم يكن هذا هو السبق الوحيد الذي سجله ذلك الجمع العجيب من الإريتريين، فذلك الجمع نفسه هو الذي طورإتحاده ذلك ووضعه بجداره في موضع الإتحاد العام للطلبه الإريتريين الذي فاز بعضوية الإتحاد العالمي للطبه ونال اعترافه وبالتالي تعاطفه و تأييده للقضيه الإريتريه. ولم يكن هذا ليتحقق لولا نضال شباب تلك المجموعه من الإريتريين وفي مقدمتهم الشهيد عبدالله عمر ناصر والأستاذ سراج موسي عبده والأستاذ عمر محمد سليمان والمناضل إبراهيم قدم وغيرهم، ولا يسع الكاتب هنا إلاّ وأن يذكر باالحمد الدور الذي لعبه الدكتور عثمان أبوبكر في الحفاظ على ذلك الصرح لسنوات طويله خلال رئاسته المديده له. كان لطلاب قاهرة تلك الفتره سَبقآ آخرا أيضاً ولكنه كان أعظم شأنا وأجل خطراً ، أولم يعقد أول إجتماع لجبهة التحرير الإريتريه في القاهره(الإجتماع التأسيسي) ، ثم ألم يكن إثنان (إدريس قلايدوس وطه محمد نور) من أعضاء المجلس الأعلي السبعه من طلبة القاهره ؟ .....ألسنا نقول الحق بعينه إذن لو قلنا أن تلك الجماعه الإريتريه في القاهره قد سبقت جميع الفئات الأريتريه في الخارج في شرف حمل السلأح والإلتحاق بالكفاح المسلح. ثم ذلك العدد من الشهداء الذي قدمته هذه الفئه من الإرتريين والذي ربما لم يكن ليتناسب وإجمالي عددها، ويحضرخاطر الكاتب الآن عدد من الأسماء كان أصحابها من أعضاء إتحاد طلبة إريتريا ثم جرفهم تيار الثوره فاستشهدوا في سبيل إريتريا مختارين راضين. هناك أبوبكر حسن خريج كليه العلوم وكان هناك إبراهيم عبدالمنان وعبدالقادر إبراهيم المشهور بكاربنتبر وطه سعيد كحساي ومحسن علي المشهور بمحسن موسي والذي نال شهرة عالميه في وقته حين شارك ليلى خالد الفدائيه الفلسطينيه المشهوره إختطاف طائرة جامبو وإحراقها في مطار القاهره ولقد استشهد محسن في معركة مصوع الأولى فيما بعد. وكان هناك عبدالله نعمان وإدريس خيار الذي نفذت فيه إثيوبيا حكم الإعدام شنقاً في ميدان عام في أديس أبابا ظلماً وعدوانا.ً كانت القاهرة التي نزل بها عبدالله ناصر في العام 1965 خلاف هذه المدينة البدينه العاجزه التي نعرفها هذه الأيام، لقد كانت تلك مدينة تنضح حيوية وتشع نشاطاً و ثوره، وكانت الحركه الثقافيه في مصر آنذاك في أوجها والمد الثوري العالمي في أقصى مداه والموجه الإشتراكيه في أعلاها، وكانت تلك المدينه العظيمه تعكس كل ذلك في حياتها اليوميه، فترى ذلك في صحفها ووسائل إعلامها المرئيه والمسموعه وتراه في مدارسها وجامعاتها ومسارحها وحدائقها ومصانعها ومعاملها. وكان لكل هذا صداه وأثره على هذه الجماعه الإريتريه فكنت ترى مقر إتحاد طلبة إريتريا في 23 شارع شريف وكأنه خلية نحل تعج بالنشاط و الحركه فكنت ترى فيه المجموعات الرياضيه والفنيه والأدبيه و ترى حو ائط صالة دخول المقر و التي هي ايضاً صاله لعب كرة الطاوله (البنج بونج)، ترى حوائط هذه تزينها صحف حائط كان يصدرها ويخطها الأستاذ محمود لوبينت- الشاعر و الكاتب المعروف - و آخرون. لم يكن هذا كل ما هنالك فلم يكن ذلك المجتمع الطلابي العظيم جاداً ومتجهماً فقط وفي كل أجزاءه فلقد كان فيه الفنانين مثل محمود هندقا وصالح (والنازعه) وكان فيه الشعراء الممتازين مثل الأستاذ لوبينت والمرحوم أحمد سعد. وكان هناك الظرفاء أمثال سعيد محمد نور(ماريو) و طاهر كانوني وإبراهيم كمبوديا وغيرهم. وكانت هناك فئة صغيره من الشعبويون الموهوبين وربما كان أشهرهم الأستاذ حسن الشيخ الأمين الذي استطاع خداع المخابرات المصريه و الأفلات من حصار مضروب حوله والمجموعه التي يقودها،والوصول بها إلى حرم السفاره الإثيوبيه وإضرام النار في ممتلكاتها كما كان مخطط له وكما كان يعلمه رجال المخابرات ويحاولون الحؤول دونه درءاً لإفساد زيارة الإمبراطور هيلي سلاسي للقاهره في حينه. ولم يكن مجتمع القاهره ذلك خالياً من الجنس الناعم فلقد كانت هناك بعض الطالبت اللاّمعات يذكر منهن المناضله آمنه ملكين وخديجه حامد وزهره جابر.
وفي الحقيقه فإن الإريتريين في القاهره كانوا ذوو أصول متواضعه وينتمون لطبقات فقيرة في عمومهم لذلك كنت ترى جلهم يعتمدون على منح دراسيه نقديه وسكنيه تقدمها الحكومه المصريه لإتحاد الطلبه الذي كان يوزعها حسب لوائحه والقوائم التي بحوزته. ولم يكن مقدار المنحة كبيراً ولكنه لم يكن صغيراًً أيضاً إذ أنه كان يضمن المسكن والمأكل و قليل من التسكع في المقاهي والتردد على دور السينما لمن يهواها ثلأثاً في الشهر الواحد وذلك إضافة لاشتراك الإتحاد المُلِزم. وقد فصّل الدكتور صافي إمام وصوّرحياة الطلبه الإريتريين في القاهره في فترة غير بعيده جداً عن هذه الفتره التي نتحدث عنها في رواية بديعه أسماها"أيام القاهره" فمن رأى الإستزاده فعليه بتلك الروايه.
كان هناك أيضاً عدد غير قليل من المثقفين المصريين ممن زاروا و حاضروا في مقر الإتحاد يحضر منهم في ذهن الكاتب الآن الدكتور لويس عوض الأستاذ الجامعي والصحفي، والشاعر أمل دنقل وكذلك فنان مجلة " آخر ساعه" زهدي ولكن أشهرهم على الإطلاق كان أنور السادات و الذي يقول عنه الذين حضروا الواقعه(ومنهم الأستاذ إدريس عبدالعليم و الدكتور صافي إمام موسي) في ذلك الزمن البعيد أنه ختم كلمته هكذا : " أيها الإريتريين اعملوا فالمستقبل أمامكم" . وفي سنوات الثوره زار مقر الإتحاد معظم القاده و الساسه الإريتريين ولكن لم يقف أمام ذلك الجمع الحي رجل في ذكاء وجاذبيه الشهيد عثمان صالح سبي ذلك الساحر صاحب المقدره العجيبه في الإستيلاء علي عقول السامعين وسوقهم من آذانهم إلي حيث يريد.
كانت هيئة الإتحاد و رئاسة الأتحد تأتي بصفه دوريه نتيجة إنتخابها بالإقتراع السري وربما كان ذلك من أسرار حيوية الإتحاد مما أهله بتبوء مكانه عن جداره كثالث ثلاثه أكبرإتحادات طلابيه في القطر المصري مقارعاً بذلك كلا الإتحادين المصري و الفلسطيني. و عندما طور الإتحاد نفسه وأهّلَها للتحول إلي معرّف بالإتحاد العام لطلبة إريتريا استطاع أن يفرض القضيه الإريتريه علي المجتع الطلابي العالمي وينال تأييده وإنحيازه. ولم يكن ذلك ممكناً لو لم يكن هناك رجال خلف هذا الصرح العظيم، رجال كرسوا أنفسهم وكان عبدالله ناصر أحد هؤلاء ومن أعظمهم تأثيراً يشاركه في ذلك لفيف من انبه الإريتريين.
كان عبدالله ناصر بسيط النفس، كريمها، شجاعاً وإبناً نموذجيا للثوره الإريتريه، باراً بها مخلصاً لمبادئها. وكان صاحب روية وفكر ثاقب وحس تاريخي مرهف ولن ينسي كاتب هذه السطور يوماً في العام 1992 كان يتدارسان فيه تلك الحاله العجيبه والتي بدت فيها إريتريا وإثيوبيا وكأنهما بلد واحد تحكمه طغمتان متوافقتان بالرغم من قرب عهد إنتهاء حرب الثلاثون عاماً بين بلديهما. وكان تعليق عبدالله مقتضباً ونصح الكاتب ألاّ يبالي حيث أنه من المحتوم أن هذين النظامين سوف ينهمكان إن عاجلاً أو آجلاً ً في صراع مرير و محاولات إلتهام كل منهم الآخر، ولقد كان وصدقت نبؤة عبدالله وصدق حسه التاريخي. وعند انتهاء الحرب الإريتريه – الإثيوبيه الأخيره وقبول الطرفين ترسيم الحدود بينهما كان تعليقه الأول أن الشد و الجذب بين الطرفين سوف يستهلك الجزء الأكبر من السنوات العشر القادمه وأثناء كل ذلك ستظل سيادة إريترياعلى أراضيها منقوصه كل هذه السنين، وهذا هو ماهو كائن والعشره سنوات أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الإكتمال. وكان له رأي وتوصيف للجبهة الشعبيه كتنظيم وهو توصيف إن كان فريداً فإنه كان دقيقاً وصادقاً، فالجبهة الشعبيه،كما كان يراها، لم تكن إلاً حركة عسكرية خالية من أي مضمون فكري أو فلسفي وهي لا تعدو أن تكون غير صورة باهته و جدّ متخلفة و معطّله من حركة الجنرال فرانكو وفاشيو اسبانيا في ثلاثينيات القرن العشرين، ولكن كاتب هذه السطور كان يرى أن هذا التشبيه غير دقيق وربما كان هذا ترفيعاً وترقية للجبهة الشعبيه لمكانة لا ترقى إليها وأن التشبيه الواقعي لها والأكثر دقة هو مماثلتها للتنظيمات العسكريه اليمينيه في أمريكا اللاتينيه وخاصة كولومبيا . وفي نقاش ومقاربه تمت بين الكاتب والشهيد منذ وقت غير بعيدكشف الشهيد عن رؤية أبداها مؤداها استحالة اشتعال حرب بين إثيوبيا وإريتريا الآن أو في المستقبل المنظور. والسبب في ذلك ليس حب النظامين وحرصهما على السلام، فذلك لا يعني أي منهما من قريب أوبعيد، ولكن الحقائق هي التي تفرز المواقف،فالنظام في إريتريا لا يستطيع البدء بشن مثل هذه الحرب خوف عواقبها المضمونه والتي لن تكون محصورة في هزيمة عسكرية واحتلال أراض بل ستتجاوزها إلى إسقاط النظام ذاته و هو الأمر الذي لا يمكن للطغمه الحاكمه في أسمرا أن تخاطر أو تراهن به وإضافة علي ذلك فإن شبه الإنهيار الإقتصادي الذي تعاني منه إريتريا لا يسمح للمغامرات الكبرى التي قد يخطط لها النظام أن تقف على أقدامها. والنظام الإثيوبي أيضاً لا يستطيع البدء بشن حرب على إريتريافي هذا الوقت ولكن لأسباب عكسيه ومختلفه، فإنه وإن توفرت لديه إمكانية شن مثل هذه الحرب عسكرياً وإقتصادياً وكسْبها ، إلاّ أنه يتعين عليه قبلها أن يأتي بحل لمعضلات ما بعد الحرب ومشكلاتها ولا يبدوا أن هذا النظام قادر على دفع مستحقاتها. فإريتريا ليست هي النظام فقط، بل هي علاوةعلى ذلك كائن قانوني أممي معترف به، ًوإريتريا دولة عضو كامل العضويه في الهيئه الأمميه، ولا يمكن قضمه وابتلاعه عسكرياً أو إلغاءه. فهل تنسحب القوات الإثيوبيه حينئذٍ إذعاناً للقانون الدولي وفي وجه معارضه محلية متربصه بها وطالما إتهمت النظام بالتسبب المباشر في إضاعة إريتريا وانفصالها عن إثيوبيا . إن حل هذه المعضله فقط هو الذي يقف في وجه إثيوبيا ويمنعها عن غزو جارتها الأضعف. ولا يبدو أن هناك ما يبشر بإمكانية حل هذه المعضله في المستقبل المنظور و خاصة بعد سقوط النظام في المستنقع الصومالي. وجهة نظر جديره بالتفكيروالتناول حتى لو لم تصدقها الأيام بعد.
والشهيد عبدالله من عائلة مشهود لها بحبها لإريتريا والنضال في سبيلها فهو سليل ناصر باشا المعروف بسيرته الحسنه وهو كذلك إبن عم المناضل المعروف أحمد ناصر ، ولكن الشهيد لم يكن من الذين يخلدون لقولة كان أبي، بل أنه كان وكأنه المتنبي في قوله :
لا بقومي شرفت بل شرفوا بي وبنفسي فخرت لا بجدودي
ويجيئ إستشهاد المناضل عبدالله عقب استشهاد أكبر إخوته في سجون الطاغيه في إريتريا منذ سنوات قليله.
كان جديراًً بكاتب هذه السطور أن ينهي هذه السيره برواية شيء من آثار عبدالله و نضاله في الميدان أثناء الثوره ولكن ذلك لن يكون إلاََّ إعادة وتكرارلما هومعروف ومن افتقد ذلك الجزء فعليه مراجعة الرثاء الذي كتبه رفيق دربه الأستاذ خليفه عثمان في مجلة النهضه أو حتي مراجعة ما كتبه موقع "أدال" والمنشور على صفحات "عواتي". وأما هذه العجالة فلم تكن إلاّ محاولة تصويرللمؤثرات التي ساعدت على تشكيل المناضل الفقيد و الخلفيات الثقافيه التي كونت فكره وقناعاته. وما كان إفراط الكاتب في التعلق بالزمان و المكان والأشخاص إلاّ لإيمانه بأن الآله إنما هي أفضل توصيف للمنتج والكاتب هنا إنما كان يتلمس عقيدة الفقيد الإجتماعيه والتي تري في الفرد نتاجاً للمجتمع ومصنوعه وليس العكس.
وعندما أزَِف أوان الرحيل لم يبدي المحارب القديم أية مقاومه بل مات –كما الأشجار- واقفاً. رحم الله عبدالله ناصر وإنّا لله وإنّا إليه لراجعون.
This email address is being protected from spam bots, you need Javascript enabled to view it
|