ثانيا:الأمية والفقر:-
تناولت في الحلقة الأولى أزمة الثقة بين مكونات المجتمع الإرتري، باعتبارها احد عناصر الضعف التي من خلالها يستمد نظام اسمرا قوته من اجل البقاء على راس السلطة، وكما أكدت على أن هذه الإشكالية هي البوابة الرئيسية عبر التاريخ، التي استغلتها كل القوى الخارجية والمحلية لبسط سيطرتها على الوطن والمواطن.
وفى هذه السطور سأتحدث عن عنصر آخر من العناصر التي يستغلها نظام هقدف من اجل أن يبقى كابوسا على صدر الشعب، ألا وهى الأمية والفقر، التي هي نتاج طبيعي لوطن عاش لقرون عديدة يتوارثه الاستعمار، آخرها الاحتلال الإثيوبي، الذي مارس بدوره سياسة التجهيل والتفقير، مما حرم أبناء إرتريا من حق التعليم، إلا بقدر يسمح بذر الرماد على عين المراقب، فضلا عن محاولة إحلال ثقافته بديلا للثقافة المحلية، والتي يتمسك بها المواطن منذ أن وجد فوق أرضه وتحت سماءه (اللغتين العربية والتقرينية)- وما يؤكد على أقدميتهما الرسمي، قول الكاتب الإيطالي والذي زار إرتريا في القرن التاسع عشر، في كتابه المعنون"إرتريا مستعمرة إيطالية في أفريقيا" ويقول:(...وما لفت نظري في محكمة اسمرا، على منصت القضاء، لوحة مكتوب عليها "العدالة للجميع"باللغات العربية والتقرينية والإيطالية"...)- لذا كان من الطبيعي أن تستمر ألامية وتتسع مع تكاثر الأجيال التي، ليس لها راعى يدبر أمرها، ويرعى مصالحها أو يخطط لمستقبلها. هكذا كان يعانى الوطن من شبكة معقدة من العناصر المكونة لترا كم التخلف، من أبرزها هذه الأمية الضاربة في الأعماق (أمية القراءة والكتابة ) فضلا عن الأمية القانونية والسياسية وتلك المتعلقة بحقيقة التاريخ الوطني.
والثورة الإرترية بمختلف فصائلها، لم تعطى للتعليم ومحو الأمية اهتمام كبير، ولم تشغل نفسها بهذا الأمر على القدر الذي كان يشكله التعليم وبناء الكادر البشرى من ضرورة أساسية لإدارة الثورة والدولة، بل المتعلم الحقيقي لم يجد مكانه الطبيعي في حراك الثورة الإرترية، مما انعكس سلبا على مسار الثورة ومسيرتها، وكذلك على إدارة الدولة الوليدة التي لم تستطيع الخروج من عقلية الإدارة المتخلفة التي أوصلت كل شيء إلى طريق مسدود لا رجعة منه. إذا كان هناك من جهد يذكر في تلك المرحلة، أي مرحلة الثورة، يعود لجهاز التعليم الإرتري، الذي كان له حضور مقدر، وسط معسكرات اللاجئين الإرتريين في السودان، ! إلا أن هذا الأخير لم يكتب له العمر الطويل، وتم قتله بعد سيطرة نظام هقدف على الشرعية الداخلية والخارجية مما سهل له إجهاض هذه المؤسسة التي كانت تشكل هاجس كبيرا لا صحاب المشروع ألإقصائي في الوطن الجريح.
أما الأمية القانونية والسياسية حدث ولا حرج، ومن المعلوم تاريخيا، أن منطقة القرن الإفريقي بصفة عامة، وإرتريا على وجه الخصوص تعانى من تخلف الفكر السياسي، ولعل آثاره واضحة للعيان في معظم دول المنطقة، بما فيها الدولة الوليدة في إرتريا.
وجدير بذكر أن الكفاح المسلح الإرتري، لم تسبقه قاعدة نظرية مدروسة الجوانب، تضع في الاعتبار خصوصية المنطقة وتفاعلها الإقليمي والدولي، بما تحمله من تاريخ عميق بتناغمها مع التوازن الإقليمي والدولي وانعكاسها سلبا على الحراك الداخلي، بل كان يكتب الكتاب النظري للثورة، إما من خلال تجارب الآخرين دون مراعاة لخصوصية الشعب، أو من خلال الممارسات العملية وما تفرزه من ملاحظات أثناء النضال والكفاح، ولعل الحال في هذا الجانب اليوم لم يكن أفضل مما كان عليه في السابق. إن الفكر السياسي الإرتري عاجز إلى اليوم من إرساء قاعدة نظرية واضحة المعالم تكون منهجا للعمل الوطني.
والثورة الإرترية لم تهتم كثير بدراسة هذه الإشكالية ولم تحاول توسيع مفهوم التنظير في عمقه الفلسفي والاجتماعي، ولم تهتم بإنشاء مؤسسات ذات طابع علمي أكاديمي، في مجال القانون والسياسة. وكل ما كان هناك، برنامج تعبوي خاص لكل فصيل من فصائل الثورة، تحت مسمى (مدرسة الكادر) التي كانت ترسخ في أذهان منتسبيها، التعصب والولاء الأعمى للتنظيم، أكثر منه للوطن والشعب. مما كان يخلق لدى كادر التنظيم، رؤية ضبابية وموقف محرج عند المحطات التي تتناقض فيها مصلحة الوطن مع مصلحة التنظيم، بل في كثير من الأحيان كانت تختزل مصلحة الوطن، في مصلحة التنظيم الضيقة الأفق والبعد، وكان ذلك مبرر لخوض كثير من الحروب الأهلية التي شهدتها الساحة الإرترية، ومازال نظام هقدف يخوض معارك طاحنة وغير مرئية إلا للمدقق مع الشعب الإرتري تحت مبرر اعتبار مصلحة التنظيم أو ! الحزب هي مصلحة الوطن بعينه. دون أن يسأل احد لمن سيكون هذا الوطن ما دام الشعب يقتل ويهجر وفى أحسن الأحوال تحبس أنفاسه وأجساده معا؟!
من كل ما تقدم يتضح، أن محو الأمية بكل أشكالها، وبناء مؤسسات تعليمية فعالة، ضرورة وطنية شديدة الأهمية، باعتبار الثروة البشرية هي أساس تقدم أي امة، والكادر البشرى لا يمكن أن يؤدى واجبه ويساهم في الازدهار الاقتصادي، والتقدم الحضاري، إلا إذا تم إعداده بشكل ممنهج في المدارس والمعاهد العليا والجامعات. أما جعل مؤسسات التعليم حاضنات للفكر الغوغائي الحزبي، وإيجاد إنسان ذو البعد الواحد من اجل بناء دولة اسبرطية جديدة في ظل مناخ اثيني متقدم، شيء يدع إلى السخرية و الحزن الشديد.
مما لا شك فيه، أن الفقر هو الوجه الآخر للامية، والذي أصبح واحد من المهددات الحقيقية للمجتمع الإرتري، والفقر عدو الإنسان، إذا كان أي مجتمع يسيطر عليه الفقر يعنى ذلك أن المرض والجهل يسيطران عليه، وإرتريا التي عاشت لقرون طويلة تحت الاستعمار الذي لم يفعل شيء لتطويرها، على عكس ذلك كان يتعمد في كثير من الأحيان تدمير مقومات اقتصادها الوطني، وسياسة الاستعمار الإثيوبي ليست ببعيدة عن أذهان شعبنا، والذي كان يعمل بمنهجية كاملة إلى إضعاف القدرات الاقتصادية للوطن الإرتري، والتي تمثلت في نقل المصانع إلى بلاده التي كانت تعتبر متخلفة قياسا إلى الوضع الإرتري في ذلك الوقت.
نتيجة لهذه السياسات العدوانية التي مارسها المستعمر بمختلف ألوانه تراكمت عبر الزمن لتنعكس سلبا على الوضعي المعيشي والاقتصادي على أفراد المجتمع بأثره، ولم يستطيع شعبنا من تحقيق مصادر مالية أكثر من قوت يوميه. وكان الجميع يتوقع أن هذه الضائقة المعيشية ستزول بزوال الاحتلال وغياب فعله المدمر. وعلى عكس التوقعات وما زاد الطين بله أن سياسة هقدف الاقتصادية، التي ارتكزت على فلسفة التأميم الشامل بما فيه الجهد الإنساني، أصبح الوطن وسكانه، إقطاعية كبيرة تسخر لملئ خزينة النظام، مما حول المجتمع الذي كان يملك قوت أبنائه، في أسوأ الأحوال إلى مجتمع الإغاثة، بعد أن صادر أراضيهم، واخذ أبناءهم إلى ما يسميه الخدمة الوطنية زورا وكذبا، دون قيد أو قانون. بالمقابل الحزب هو الذي يسيطر على كل منابع المال، من تجارة الأسواق والاستيراد والتصدير، ولم! يبقى للشعب من نصيب إلا مد الأيدي إلى المعونات الدولية، التي لاتسمن ولا تغنى من جوع. مجتمع في مثل هذا الحال من الفقر، لا يمكن أن يفكر إلا في كيفية سد رمق أطفاله، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يفكر في إدارة الدولة وسياستها أو تكون له قدرة فعالة في مساعدة المعارضة السياسية، إلا من باب اضعف الأيمان.
وتفقير الشعوب، من اجل السيطرة عليها، هي سياسة قديمة متجددة، كما قيل قديما لو كان المستبد رجلا أراد أن يحتسب وينتسب لقال:(أنا الشر وأبى الظلم وأمي الإساءة وأخي الغدر وأختي المسكنة وعمى الضر وخالي الذل وأبنى الفقر وبنتي البطالة، ووطني الخراب...)
والمال عند الاقتصاديين ما ينتفع به الإنسان وعند الحقوقيين ما يجرى فيه المنع والعطاء وعند الأخلاقيين ما تحفظ به الحياة الشريفة، أما عند حكام إرتريا الجدد المال ما يستعاض به القوة وأخذه مشروع بكل حيلة ووسيلة، هكذا ضاقت ارض إرتريا على ساكنيها، وانقطعت ثمراتها على أهلها الطيبين.
وجملة القول إن الجهل والفقر، هي من العناصر ألأساسية، التي يستمد منها النظام أسباب استمراره على رأس السلطة والتسلط والجبروت، لان الشعوب إذا جهلت وجاعت خافت، وإذا خافت استسلمت وتكون من الأدوات القوية لعدوها اللدود، وهو بهم عليهم يصول، وبهم على غيرهم يطول، ويسوقهم إلى خطر الحروب والموت ويطيعونه خوفا من التأديب والحبس، لذا يحرص النظام على جهلهم، لأنهم إذا علموا قالوا وإذا قالو فعلوا...
نواصل في الحلقة القادمة مع عنصر آخر من عناصر أسباب بقاء النظام
Nagash06@maktoob.com